قصيدة النثر بين التأصيل والاستقلالية
أنـفـاس :: الفنون والآداب الإنسانية ( في ميزان النقد الممنهج ) :: مأزق الشعر العربي وضياع القصيدة بين التقفية والحرية
صفحة 1 من اصل 1 • شاطر •
قصيدة النثر بين التأصيل والاستقلالية
نشر المقال في كتاب (الضفة الاخرى) الصادر عام 2005 وجريدة (البيضاء) العدد (3) الاحد 22 حزيران 2003
د. بهنام عطاالله
قصيدة النثر ، جنس أدبي يستمد من الحداثة والثقافة أهم مقوماته ، وهي ضرورة فرضت نفسها إزاء التطورات الحاصلة في المجتمعات ، من أهم مبادئها الأساسية : الحصر ، الإيجاز ، شدة التأثير والوحدة العضوية .
لقد عرفE. Jalous أفضل تعريف حين قال إنها قطعة نثر موجزة بما فيها الكفاية ، موحدة ومضغوطة كقطعة من بلور ، تتراءى فيها مائة من الانعكاسات المختلفة في خلق حر ، ليس له ضرورة ، غير رغبة المؤلف في البناء ، خارجاً عن كل تحديد ، وشيء مضطرب إيحاءاته لا نهائية .
ومن الناحية الإبداعية ، لا تشكل قصيدة النثر قطيعة مع القصيدة العمودية أو قصيدة الشعر الحر . إن البعض يعد قصيدة النثر خارجة عن القواعد العامة لحركة الشعر ، بحجة عدم التزامها بأوزان الشعر المعروفة ، إلا أن ما يؤكد عكس ذلك هو قول دي بوس : (إن هناك الكثير من القصائد الجميلة بلا أبيات شعرية ، كما أن هناك الكثير من الأبيات الشعرية التي تخلو من الشعر) . ولكن بالرغم من ذلك تبقى للقصيدة الموزونة تأثيراتها الجذابة والمدهشة .
لقد برزت قصيدة النثر وتطورت في الغرب ، وعلى وجه الدقة في نهاية القرن التاسع عشر ، إلا أن جذرها مستمد من الشرق ، بل إن القارئ الفاحص والذي يمتلك ذائقة شعرية يستطيع أن يستنتج : إن قصيدة النثر قد ظهرت أول ما ظهرت في ملحمة كلكامش ، التي كتبها السومريون في بلاد ما بين النهرين ، كما ان النتاجات النثرية الآرامية لاحيقار الحكيم ، كاتب الملك سنحاريب وحامل أختامه وقصته المعروفة مع نادان ابن أخته ، والتي ترقى إلى القرن السابع قبل الميلاد ( 680 ق . م ) ، هي ايضاً نمطاً من الكتابة النثرية . وإذا أمعنا البحث والاستقصاء سنرى في كتاب العهد القديم (التوراة) ، نماذج لقصيدة النثر ، كما في سفر نشيد الإنشاد - الذي هو عبارة عن قصيدة تنشد الحب البشري - ومزامير داود النبي وسفري الجامعة والأمثال وغيرها . فضلاً عن هذا وذاك فان القصيدة (الآرامية) لشعراء سريان أمثال : مار افرام السرياني ونرساي وابن العبري ، والتي نشأت في الشرق ، قد أخذت هذا المنحى ، فضلاً عن كتابات الصوفية النثرية وكتاب النفري ورسائل ابن العربي والبوني وغيرهم ، ومن ثم نصوص يوسف الخال وأدونيس وانسى الحاج ومحمد الماغوط وتوفيق الصائغ أصحاب مجلة (شعر) ، ثم أصحاب مجلة (أبولو) وجماعة مجلة (الكلمة) العراقية ويأتي في مقدمتهم الكاتب حميد المطبعي . فقصيدة النثر أصولها مشرقية ، بل إن بعض الشعراء في الغرب قد تأثروا بما مضى ذكره ، منهم الشاعر ت س . اليوت في (الأرض اليباب) ، والذي يستمد فكرة قصائده من الكتب المقدسة ، التي ظهرت في الشرق .
وقصيدة النثر جنس أدبي مستقل ، بل إنها ‘عدَت نوعاً أدبياً حقيقياً ، وان لم تكن ملامحها واضحة لحد الآن ، وقد استطاعت أخيراً أن تتحول من (الهامش إلى المركز) ، كونها نوع من الكتابة الحرة ، وهذا ما أكده الشاعر عز الدين المناصرة في اطروحته للدكتوراه والمعنونة (الجنس المستقل) ، حيث يرى : إن قصيدة النثر هي نص مفتوح على أنواع سردية نثرية ، وفيه درجات عالية عن النثرية ، أي أنه كتابة حرة ، وبالتالي فهو جنس مستقل ، لأن من مميزات قصيدة النثر : الاستقلالية بجانب الإيجاز والوحدة الموضوعية .
ومن اجل أن تتطور قصيدة النثر وتستقل بذاتها كجنس أدبي معترف به ، يجب أن تسعى إلى أن تكون ظاهرة فنية ، ولن يكون لها ذلك ، إلا إذا (تمكنت بمقدرة كتابها من امتلاك أدواتها السليمة معرفياً ورؤيوياً . فالأدب - والشعر منه بشكل خاص - ليس طريقة خاصة في التعبير حسب وانما هو طريقة خاصة في الرؤيا كذلك ، وان والتلاعب باللغة وحده ولن يخلق قصيدة النثر ويدفعها إلى مستوى الشعرية ، ما لم تنهض الرؤيا لتحرك ذلك النسيج اللغوي والخاص بتشكيلاته المتميزة ، تحركه وتتحرك داخله .
كما أنها ليست كما يعلن البعض سهلة الكتابة ، بل إنها صعبة الكتابة ، كونها قد تخلت عن الوزن ، فكان لا بد من إحلال إيقاع داخلي محله ، يعمل على شد بنية القصيدة نحو المركز ، ولخلق علاقات حيوية بين مفاصل القصيدة ، لتترك أثرها الواضح على ذائقة المتلقي ، ومن هنا فان كاتب قصيدة النثر يحتاج إلى دراية خاصة بهذا النوع من الجنس الأدبي .
وقصيدة النثر متمردة (لأنها ولدت من تمرد على الاستعبادات الشكلية التي تحول دون أن يخلق الشاعر لنفسه لغة فردية ، والتي تضطره إلى أن يصب مادة ‘جملهِ اللدنة في قوالب جاهزة) ، كما تؤكد سوزان برنار في كتابها الموسوم (قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا) . نعم إنها متمردة على كافة القوانين الكلاسيكية في نظم الشعر ، فهي تستمد قوتها من الحداثة والمغايرة والتنافر والفنطازيا في محاولة لتغير القوالب الشعرية الجامدة والجاهزة ، بل إنها محاولة جادة لتجديد الشكل الشعري العربي .
لقد أضفت قصيدة النثر للمشهد الأدبي ، جنس أدبي ينزع نحو التجدد والعصرنة والحداثة ، جنس مستقل متجرد من طوق الصرامة والقيود ، سيعزز بلا شك طريق الأدب ، ويرفده بقوة التكثيف والتخيل والشفافية .
المصادر
-1- سوزان بيرنار ، من بودلير إلى أيامنا ، ترجمة د. زهير مجيد مغامس ، دار المأمون للترجمة والنشر ، بغداد ،1993 .
-2- خالد الخزرجي ، قصيدة النثر .. الجدوى والتحول ، جريدة العراق ، العدد (7574) 14 نيسان 2002 .
-3- إشكاليات قصيدة النثر لعز الدين المناصرة ، جريدة العرب اللندنية ، العدد (6357) 15 - 16 / 3 / 2002 .
-4- عز الدين المناصرة ، الجنس المستقل ، اطروحة دكتوراه ، الأردن ، 1997
د. بهنام عطاالله
قصيدة النثر ، جنس أدبي يستمد من الحداثة والثقافة أهم مقوماته ، وهي ضرورة فرضت نفسها إزاء التطورات الحاصلة في المجتمعات ، من أهم مبادئها الأساسية : الحصر ، الإيجاز ، شدة التأثير والوحدة العضوية .
لقد عرفE. Jalous أفضل تعريف حين قال إنها قطعة نثر موجزة بما فيها الكفاية ، موحدة ومضغوطة كقطعة من بلور ، تتراءى فيها مائة من الانعكاسات المختلفة في خلق حر ، ليس له ضرورة ، غير رغبة المؤلف في البناء ، خارجاً عن كل تحديد ، وشيء مضطرب إيحاءاته لا نهائية .
ومن الناحية الإبداعية ، لا تشكل قصيدة النثر قطيعة مع القصيدة العمودية أو قصيدة الشعر الحر . إن البعض يعد قصيدة النثر خارجة عن القواعد العامة لحركة الشعر ، بحجة عدم التزامها بأوزان الشعر المعروفة ، إلا أن ما يؤكد عكس ذلك هو قول دي بوس : (إن هناك الكثير من القصائد الجميلة بلا أبيات شعرية ، كما أن هناك الكثير من الأبيات الشعرية التي تخلو من الشعر) . ولكن بالرغم من ذلك تبقى للقصيدة الموزونة تأثيراتها الجذابة والمدهشة .
لقد برزت قصيدة النثر وتطورت في الغرب ، وعلى وجه الدقة في نهاية القرن التاسع عشر ، إلا أن جذرها مستمد من الشرق ، بل إن القارئ الفاحص والذي يمتلك ذائقة شعرية يستطيع أن يستنتج : إن قصيدة النثر قد ظهرت أول ما ظهرت في ملحمة كلكامش ، التي كتبها السومريون في بلاد ما بين النهرين ، كما ان النتاجات النثرية الآرامية لاحيقار الحكيم ، كاتب الملك سنحاريب وحامل أختامه وقصته المعروفة مع نادان ابن أخته ، والتي ترقى إلى القرن السابع قبل الميلاد ( 680 ق . م ) ، هي ايضاً نمطاً من الكتابة النثرية . وإذا أمعنا البحث والاستقصاء سنرى في كتاب العهد القديم (التوراة) ، نماذج لقصيدة النثر ، كما في سفر نشيد الإنشاد - الذي هو عبارة عن قصيدة تنشد الحب البشري - ومزامير داود النبي وسفري الجامعة والأمثال وغيرها . فضلاً عن هذا وذاك فان القصيدة (الآرامية) لشعراء سريان أمثال : مار افرام السرياني ونرساي وابن العبري ، والتي نشأت في الشرق ، قد أخذت هذا المنحى ، فضلاً عن كتابات الصوفية النثرية وكتاب النفري ورسائل ابن العربي والبوني وغيرهم ، ومن ثم نصوص يوسف الخال وأدونيس وانسى الحاج ومحمد الماغوط وتوفيق الصائغ أصحاب مجلة (شعر) ، ثم أصحاب مجلة (أبولو) وجماعة مجلة (الكلمة) العراقية ويأتي في مقدمتهم الكاتب حميد المطبعي . فقصيدة النثر أصولها مشرقية ، بل إن بعض الشعراء في الغرب قد تأثروا بما مضى ذكره ، منهم الشاعر ت س . اليوت في (الأرض اليباب) ، والذي يستمد فكرة قصائده من الكتب المقدسة ، التي ظهرت في الشرق .
وقصيدة النثر جنس أدبي مستقل ، بل إنها ‘عدَت نوعاً أدبياً حقيقياً ، وان لم تكن ملامحها واضحة لحد الآن ، وقد استطاعت أخيراً أن تتحول من (الهامش إلى المركز) ، كونها نوع من الكتابة الحرة ، وهذا ما أكده الشاعر عز الدين المناصرة في اطروحته للدكتوراه والمعنونة (الجنس المستقل) ، حيث يرى : إن قصيدة النثر هي نص مفتوح على أنواع سردية نثرية ، وفيه درجات عالية عن النثرية ، أي أنه كتابة حرة ، وبالتالي فهو جنس مستقل ، لأن من مميزات قصيدة النثر : الاستقلالية بجانب الإيجاز والوحدة الموضوعية .
ومن اجل أن تتطور قصيدة النثر وتستقل بذاتها كجنس أدبي معترف به ، يجب أن تسعى إلى أن تكون ظاهرة فنية ، ولن يكون لها ذلك ، إلا إذا (تمكنت بمقدرة كتابها من امتلاك أدواتها السليمة معرفياً ورؤيوياً . فالأدب - والشعر منه بشكل خاص - ليس طريقة خاصة في التعبير حسب وانما هو طريقة خاصة في الرؤيا كذلك ، وان والتلاعب باللغة وحده ولن يخلق قصيدة النثر ويدفعها إلى مستوى الشعرية ، ما لم تنهض الرؤيا لتحرك ذلك النسيج اللغوي والخاص بتشكيلاته المتميزة ، تحركه وتتحرك داخله .
كما أنها ليست كما يعلن البعض سهلة الكتابة ، بل إنها صعبة الكتابة ، كونها قد تخلت عن الوزن ، فكان لا بد من إحلال إيقاع داخلي محله ، يعمل على شد بنية القصيدة نحو المركز ، ولخلق علاقات حيوية بين مفاصل القصيدة ، لتترك أثرها الواضح على ذائقة المتلقي ، ومن هنا فان كاتب قصيدة النثر يحتاج إلى دراية خاصة بهذا النوع من الجنس الأدبي .
وقصيدة النثر متمردة (لأنها ولدت من تمرد على الاستعبادات الشكلية التي تحول دون أن يخلق الشاعر لنفسه لغة فردية ، والتي تضطره إلى أن يصب مادة ‘جملهِ اللدنة في قوالب جاهزة) ، كما تؤكد سوزان برنار في كتابها الموسوم (قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا) . نعم إنها متمردة على كافة القوانين الكلاسيكية في نظم الشعر ، فهي تستمد قوتها من الحداثة والمغايرة والتنافر والفنطازيا في محاولة لتغير القوالب الشعرية الجامدة والجاهزة ، بل إنها محاولة جادة لتجديد الشكل الشعري العربي .
لقد أضفت قصيدة النثر للمشهد الأدبي ، جنس أدبي ينزع نحو التجدد والعصرنة والحداثة ، جنس مستقل متجرد من طوق الصرامة والقيود ، سيعزز بلا شك طريق الأدب ، ويرفده بقوة التكثيف والتخيل والشفافية .
المصادر
-1- سوزان بيرنار ، من بودلير إلى أيامنا ، ترجمة د. زهير مجيد مغامس ، دار المأمون للترجمة والنشر ، بغداد ،1993 .
-2- خالد الخزرجي ، قصيدة النثر .. الجدوى والتحول ، جريدة العراق ، العدد (7574) 14 نيسان 2002 .
-3- إشكاليات قصيدة النثر لعز الدين المناصرة ، جريدة العرب اللندنية ، العدد (6357) 15 - 16 / 3 / 2002 .
-4- عز الدين المناصرة ، الجنس المستقل ، اطروحة دكتوراه ، الأردن ، 1997

Fadi Doukhan- مدير الموقع

- عدد الرسائل: 28
العمر: 34
المكان: SYR
تاريخ التسجيل: 17/03/2007

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى






